البحث عن يوسـف العظمة لمحمد منصور
البحث عن يوسـف العظمة
بقلم: محمد منصور
كان اسم ميسلون يذِّكر باسم البطل يوسف العظمة، رغم أن أنوار الضريح الذي يضيء عتمة الطريق، كانت تخفت شيئاً فشيئاً مع مرور الســـنين!
خيرية قاسمية: أراد يوسف العظمة أن يسجل شرفاً للأمة العربية بكاملها، شرف العسكريين في تلك المنطقة.. وشهد له العالم كله، وحتى الفرنسيين، لأنه في المواقع العسكرية يُحترم البطل .
يحتفظ السوريون بهالة خاصة من التقدير والاعتزاز الخاص بيوسف العظمة وذكراه.. التي تتجدد في الرابع والعشرين من شهر تموز كل عام، اليوم الذي استشهد فيه.
فهو يمثل بالنسبة للكثيرين منهم ، رمزاً من رموز الكرامة الوطنية التي لا يمكن أن تموت معانيها حتى في أشد ظروف القهر وأحلك لحظات الهزيمة التي يمر بها الزمن العربي اليوم.
ذاكرة الطفولة
حين كنا صغارا كنا نحفظ في المدرسة قصيدة الشاعر عمر أبو ريشة:
كم لنا من ميسلون نفضت عن جناحينا غبار التعب
كم نبت أسيافنا في ملعب وكبت أجيادنا في ملعب
وعندما كان الشاعر يقول:
شرف الوثبة أن يرضى العلا غلب الواثب أم لم يغلب
كان أستاذ اللغة العربية، يسهب في شرح معاني هذا البيت الذي يرقى إلى مستوى المثل السائر.. ولم نكن نستطيع أن نفهم معنى أن الهزيمة يمكن أن تكون نصرا يرضي العلا.. إلا عندما كان يروي لنا الأستاذ قصة موقعة ميسلون، وكيف أن يوسف العظمة الذي كان وزير حربية في الدولة العربية الأولى .. ذهب إلى المعركة ليتحدى إنذار الجنرال الفرنسي المتغطرس غورو، وهو يدرك أن المعركة غير متكافئة، وأن فلول جيش مسرّح، ومتطوعين لا يملكون سوى بقايا أسلحة بدائية، لا يمكن أن يصمد في وجه جيش ضخم العدة والعتاد كالجيش الفرنسي آنذاك.. لكنه رغم ذلك رفض أن يدخل المحتل الفرنسي دون مقاومة.. واستشهد في تلك المعركة.
هذه الواقعة كانت كافية لكي يبقى اسم يوسف العظمة في ذاكرة كل منا، وحين كنا نمر في الطريق بين دمشق وبيروت، أو نعبر بين دمشق ومصايفها المترامية على أطراف سهل الزبداني، كان اسم ميسلون يُذكر باسم البطل يوسف العظمة، رغم أن أنوار الضريح الذي كان يضيء عتمة الطريق، كانت تخفت شيئا فشيئاً مع مرور السنين. في الطريق إليه ..
بالنسبة لمواطن سوري – مثلي – ولد بعد معركة ميسلون بنصف قرن على التمام، كان يمكن أن يمثل يوسف العظمة درساً من دروس تاريخ ننساه بعد أن نودع سنوات الدراسة.. لكن يوسف العظمة كان باستمرار يتمرد على كل كتب التاريخ التي تطوى وتنسى.. كان وما زال درسا متجددا وحيا، يصعب نسيانه.. وخصوصا في زمن أصبح فيه إرضاء العلا ضربا من ضروب التهور والحماقة ومدعاة للوم والتقريع، مادام الصبر على الذل العربي والتفرج على مظاهره هو حكمة الحِكم، وذمة الذمم!!
حين قررت أن أحقق فيلما وثائقيا تلفزيونيا عن يوسف العظمة في ذكرى معركة ميسلون العام قبل الماضي (1) كانت كل هذه التداعيات حاضرة في ذهني، وكان هاجسي الأساسي، أن أمتلك قدرا من المعرفة بسيرة هذا الرجل العظيم يكفي لتحقيق فيلم يضيف شيئا إلى ذاكرة المواطن السوري .. وقد خيل لي أن الأمر ليس على قدر من الصعوبة فالمكتبات العامة مفتوحة أبوابها للجميع، ومصادر المعلومات متوفرة لمن يريد أن يبحث ويكتشف.. وكنت أخشى أن عنصر الصورة والمادة الفيلمية سيكون مشكلة فنحن نبحث حدث مضى أكثر من ثمانين عاما على حدوثه؛ ثمانون عاما لم تكن كاميرات السينما في سورية قد انتشرت، ولا حتى الإذاعة التي كان يمكن أن توثق تسجيلات صوتية لشهود عيان ما، ناهيك عن التلفزيون الذي لم يكن قد اخترع على النحو الذي نعرفه بعد!!
بدأت عملية البحث، واكتشفت أن المعلومات حول سيرة يوسف العظمة.. لا تقل ندرة عن العنصر البصري أيضا.. وفي دمشق، لا نجد عن يوسف العظمة سوى ساحة عامة مسماة باسمه، رغم أن التمثال الذي يقبع في منتصف هذه الساحة، ليس له.. وبيته الذي خرج منه إلى ميسلون في منطقة المهاجرين، والذي استطاع مجموعة من المثقفين والأدباء أن ينقذوه في اللحظات الأخيرة، بعد أن كاد البلدورز أن يزيله عن الوجود ويفرض واقعا عقاريا جديدا.. وسيذكر التاريخ هنا، أن البلدوزر توقف في اللحظات الأخيرة، بقرار من رئيس الجمهورية الراحل، مما يعني أن المعركة حوله وصلت إلى حد من والفساد والشراسة التي تطلبت قرار أعلى سلطة سياسية لوضع حدٍ لها.. وأن هذا البيت الذي يمثل محطة من محطات الشرف في تاريخ سورية، قد تحول أيضا إلى متحف لميسلون ويوسف العظمة والفترة الممتدة من قيام الدولة العربية الأولى في دمشق بين عامي ( 1918 – 1920 ) وحتى فترة عام 1925 التي تروي وثائق الحقبة الأولى للنضال ضد المستعمر الفرنسي.
ملامح البطل وسيرته.. أم شعارات المرحلة ؟!
تعيش الذاكرة في فراغ الأحداث، ولا تنتعش بالوقائع والبطولات المفصولة عن صانعيها.. ومن هنا كنت أطمح أن يكون الفيلم الوثائقي الذي أسميته ( يوسف العظمة سيرة المجد والكبرياء ) مفتاحا للدخول في عوالم هذا الشخص.. للتعرف عن سيرته وأين ولد وكيف عاش.. ومن يكون قبل أن يذهب في رحلته الاستشهادية نحو ميسلون.. وكان ذلك أصعب ما واجهته.. فهناك اليوم، أسماء قليلة مهتمة بميسلون ويوسف العظمة، منها الدكتورة خيرية قاسمية الأستاذة في جامعة دمشق، صاحبة الكتاب الأهم ( الحكومة العربية في دمشق بين عامي 1918 – 1920 ) والمختصة في دراسة هذه المرحلة، والتي مدت لي يد العون بكرم وسخاء.. والدكتورة ناديا خوست الأديبة المعروفة التي لعبت دورا طيبا في المعركة التي أثيرت حول بيت يوسف العظمة و التي قالت لي: لن تجد عن يوسف العظمة الكثير من المعلومات.. فالمهمة شاقة وعسيرة.
في مكتبة الأسد الوطنية كانت النتيجة مخيبة للآمال حقا، فالمراجع عن يوسف العظمة أقل مما تخيلت،وباستثناء كتاب ( فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة ) تأليف محي الدين السفرجلاني والصادر عن مطبعة الترقي بدمشق عام 1937، والمطبوع على نفقة المجاهد نسيب البكري كما يذكر الكتاب..والذي كان مرجعاً مهما لي، انقطع الاهتمام بسيرة الرجل حتى أصدر محمود إبراهيم محمود الصمادي في السنوات الأخيرة كتابا في أقل من خمسين صفحة بعنوان ( البطل الشهيد يوسف العظمة ) لا يقدم أي معلومات ذات قيمة تذكر عن هذا البطل العظيم.. لأنه يتحدث عن المرحلة كلها بأسلوب مبتسر وغير معمق.
وقد وجدت في كتيب صغير ونادر بعنوان ( مذكرات فيصل رسالتا من إيطاليا إلى لويد جورج ) بعض المعلومات الهامة عن المرحلة، وتوقفت عند عبارات الملك فيصل التي يصف فيها ما حدث في ميسلون والتي يقول فيها:
( وخرجت الجموع من دمشق دون نظام ودون أسلحة للدفاع عن المدينة. ولم يزد عدد هؤلاء الذي تجمعوا في ميسلون عن الألفي رجل يضاف إليهم مئتا رجل من القبائل، وكان من الطبيعي أن يذهب هؤلاء جميعا ضحية المصفحات والطائرات الفرنسية.
وقد كان بين هؤلاء الذين سقطوا صرعى في ميسلون ، بعض رفاقي في معارك فلسطين، وإني لأحني رأسا احتراما لهؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلا)
وقد وفقت كذلك في العثور على بعض ما نشرته الصحافة العربية عن ميسلون وبطلها ، ومنها تحقيق نشرته مجلة الأسبوع العربي اللبنانية عام 1964 وبعد مرور ( 44 ) عاما على استشهاد يوسف العظمة ، زودني به مشكورا الكاتب الصديق ( عامر بدر حسون ) وحمل الكثير من الوثائق والصور .. وفيه يكتب محمود سويد قبل ثمانية وثلاثين عاما من الآن :
(الطريق بين دمشق وبيروت لابد أن تمر بمبسلون .. فكأنما للتاريخ محطات أخرى غير المدن، يقف عندها ليستريح بعد عناء، أو ليجهد بعد استراحة.وكانت محطة ميسلون من النوع الثاني. وقف التاريخ هنا لا ليرتاح، بل ليبدأ بمعركة، سلسلة معارك كانت ميسلون الشريط السحري الذي يربط بينها كلها في بيروت، ودمشق، وبغداد، وعمان، والقدس، والقاهرة.. فمنذ ميسلون لم يعرف الانتداب الفرنسي والإنكليزي طعم الراحة في بلاد العرب، فكأن يوسف العظمة أشعل الفتيل ومضى.. بل الانتداب هو الذي مضى.. وبقى يوسف العظمة حياً في ميسلون )
كانت كل تلك الكلمات تشحنني بطاقة أخرى، لم يعد الفيلم التلفزيوني موضوعها وهدفها فقط، فقد أضحى يوسف العظمة القدوة والمثال، ُملهماً للبحث وأصبحت مهمة تكوين صورته هي الحافز الحقيقي لعمل لا يشكل فتحا جديدا بالتأكيد، لكنه يأتي ضمن سلسلة من الجهود الكبيرة لأناس سبقوني كان لهم الفضل الكبير في تتبع أطراف الخيوط التي تصوغ الصورة الكاملة، الباقية في الذاكرة والوجدان.
الصراع مع الأفكار الشائعة !!
ثمة الكثير من الأفكار الشائعة والمضللة التي يعتقد بها بعض المهتمين أو العابرين على ذكرى ميسلون ويوسف العظمة..وهي أفكار تعبر عن حالة الهزيمة التي تشكك بالماضي كما الحاضر.. ولعل أهم هذه الأفكار أن موقعة ميسلون لم تكن أكثر من نزهة عسكرية .. وأنها لا ترقى حتى إلى مستوى المواقع أو المعارك التي يُعترف بقيمتها عسكرياً .. فقد افتقرت لأبسط قواعد التخطيط العسكري.. ولذلك فإذا كنا نعتد بقيمتها المعنوية ، فإنها غاية في الهزالة.
والواقع فهذا الكلام، يبدو خاليا من المعرفة والنزاهة في التعامل مع الوقائع والتاريخ، وعلينا أن نتذكر أولا أن يوسف العظمة عسكري خبير، وكان رئيس أركان حرب القوات التركية في حرب الدردنيل في الحرب العالمية الأولى .. ولذلك فهو يتمتع بخبرة تلقاها من أرقى المدارس العسكرية في استابنول وبريطانيا .. وهاهي الدكتورة خيرية قاسمية المتخصصة في دراسة هذه المرحلة ترد على هذه النقطة فتقول في شهادة مصورة في الفيلم:
(أقر الفرنسيون أن الموقعة لم تكن سهلة، أن هناك مقاومة والمقاومة كانت جبارة، والدليل أن أسماء الضحايا الفرنسيين كان من بينها ضباطاً وصف ضباط وعسكريين عاديين كانوا في صفوف من وقع قتيلا في تلك المعركة وهذه في موجودة في الوثائق الفرنسية ويمكن الإطلاع عليها بسهولة. رغم أن البعض، ومن هؤلاء بعض المؤرخين العرب، حاولوا أن يستهينوا بها، وقالوا أنها ليست سوى تظاهرة غير مرتبة وغوغائية، طبعا إننا نغمط حق الذين استشهدوا، صحيح أن شهدائنا كانوا كثيرون، لكن في كل موقعة شرف لابد أن يكون لها أيضا شهداء وكان على رأس هؤلاء الشهداء يوسف العظمة.
يوسف العظمة كان يعرف تماما حين خرج إلى هذه الموقعة أنه غير عائد، البعض قال أنه انتحر .. هذا كذب، لم ينتحر قال إنه ربما لا يعود، ولذلك أوصى بابنته والسبب أنه يعرف عدم التكافؤ العسكري، وأن النصر لم يكن موجودا لا في مخيلته ولا في نتيجة هذه المعركة، لابد أنه كان يتوقع الهزيمة، ولكن ليكن هذا بشرف عسكري.. لا يمكن أن يتاح لأجنبي معتد أن يأتي إلى بلادنا ويدوس على كرامتنا.. هو يريد أن يسجل شرفا عسكريا، إنه شرف الأمة العربية بكاملها، شرف العسكريين في تلك المنطقة.. وشهد له العالم كله، وحتى الفرنسيين أنفسهم احترموا هذه التضحية، لأنه في المواقع العسكرية يحترم البطل )
ومن الأفكار الشائعة أن مساهمة يوسف العظمة الوحيدة في معركة التحرر ضد الاستعمار الفرنسي تكمن في موقعة ميسلون، لكن البحث في تاريخ تلك المرحلة، يؤكد من يراجع الوثائق الفرنسية يجد أن يوسف العظمة كان محركاً للثورات الأخرى، التي قامت كثورة الشيخ و صالح العلي، ثورة المناضل إبراهيم هنانو، التي اشتعلت مع نزول القوات الفرنسية الشواطئ السورية قبل القضاء على الحكومة العربية بدمشق وقد قام يوسف العظمة بزيارات سرية لتنسيق العمل العسكري وإرسال ضباط من قبل الحكومة لتدريب الثوار .. قبل أن يذهب إلى ميسلون ليكتب سطور الشرف الأخيرة في معركة توقف عندها التاريخ طويلا.. وكتب فيها أمير الشعراء أحمد شوقي يقول :
سأذكر ما حييتُ جدارَ قبر بظاهر جلّق ركب الرمالا
مقيمٌ ما أقامت ميسلونٌ يذكّر مصرعَ الأُسْدِ الشبالا
تغيّبَ ( عظمةُ ) العَظَمات فيه وأولُ سيدٍ لقي النبالا
ترى نور العقيدة في ثراهُ وتنشقُ من جوانبه الخلالا
إذا مرت به الأجيال تترى سمعتَ لها أزيزاً وابتهالا
واليوم.. نقف في حضرة ميسلون بعد مرور ثلاثة وثمانين عاماً، لنبحث في ظلام الذاكرة عن ملامح بطلها.. وعن سيرة المجد والكبرياء التي كتب فصولها بنبل ونقاء..
ورغم أن التمثال الذي يرمز لنضال الطبقة العاملة أزيل من ساحة يوسف العظمة التي تحمل اسمه في دمشق منذ أكثر من عام، ووضعت لوحة تحمل كلمات يوسف العظمة الأخيرة، وقصيدة أحمد شوقي المثبتة أعلاه، تمهيداً لإعادة تمثاله الذي تنقل مرات عدة من مكان إلى آخر إلى قلب دمشق .. إلا أن الساحة بقيت فارغة، واللوحة مازالت تنتظر التمثال الجديد الذي يفترض أن يعكس صحوة وطنية أصيلة تجاه واحد من أنبل الرموز .
أجل الاهتمام بيوسف العظمة، ليس نكوصاً إلى ماضٍ غائب يحمل نذرا من البطولة الرمزية.. كما كان بعض من حولي يحاول أن يفهم الأمر ويفهمني إياه ساخرا من حماستي العاطفية واهتمامي المبالغ به، بل هو استلهام حي لمعانٍ نحتاج أن تبعث في حياتنا من جديد .. استلهام يبعث الأمل في إعادة بناء ذاكرة وطنية، تشحذ نفوسنا بمعاني الكبرياء.. وكما كتب الأديب السوري الراحل فؤاد الشايب في ذكرى ميسلون عام 1957)
كلما أوغل الزمن بعيدا عن يوم ميسلون، تلفتنا إلى الوراء لنرى إلى الوادي الضريح والشهيد وما حول هذه الرموز من آيات التاريخ، أكثر وضوحاً وأعظم قدراً، وأظهر على الأفق سعة وطولا.. فكأن الابتعاد عن هذه الأشياء التي غدت رموزاً، يزيدنا إحاطة بها وتقديرا لها وإلماما بعظمتها وجلالها )



















Leave a Reply