رسالة إلى سيد يهمه أمرنا – كتبها نبيل الملحم


رسالة إلى سيد يهمه أمرنا

نبيل الملحم

يرجى قراءة هذا الموضوع اولا للتوضيح

يبدو أن هذا الوقت, بات وقت المصارحة, مع أن من الطبيعي أن تكون كل الأوقات للمصارحة, وإلا خرجنا من الوقت, وغدا زماننا جثة, ندور حولها.

نقول بات وقت المصارحة, فــ ( ينبغي) تقال حين (ينبغي), لأن (ينبغي) تتبدل, ولأن كل مستور في هذه الكرة الأرضية بات مكشوفا بما في ذلك ما يصاغ في الغرف المعتمة.

سورية, كما كل الجغرافيات في هذا الكوكب, تخرج من أمس لتدخل في غد آخر, والفارق ما بين جغرافية وأخرى سيكون في طبيعة الخيارات, وفي حوامل هذه الخيارات, وفيما بين خيار إجباري ( ولنلاحظ هنا المفارقة اللغوية الحادة), وبين خيار ينسجم مع البنية اللغوية للمصطلح, وفي كل الأحوال فالخيار السوري, وكما هو واضح من تطورات السنتين الفائتتين, لم يكن خيار القطيعة مع التطورات في العالم المحيط, والبعيد, فالانكفاء إلى الداخل, بات (حتى وان كان فضيلة) هو الخيار المستحيل, في وقت ممراته الإجبارية هي الانفتاح على الآخر سواء عبر الاندماج فيه, أو التبعية له, أو الحوار المتكافئ معه, وهو ما غي ر أشكال الدولة القومية المعاصرة, وآلياتها, كما ثقافاتها, كما بناها السياسية والاقتصادية, وسورية من بين هذه الدول التي تسير في هذا الاتجاه, عبر طريق ما زال يحمل الكثير من المنعطفات, هي خلاصة ذهنيات متباينة, ومصالح مرتطمة, وعوائق ليس بالوسع التغافل عنها, وهي في الاستخلاص الأخير تلك التي ما زالت محمولة على إسمنت الأمس, بصفته اسمنتا متمسكا بدوره, حتى وإن صار هذا الدور عائقا أمام استحقاقات اللحظة.

بداية استلام البعث للسلطة في البلاد, كان رواد البعث, كما رواد بقية الأحزاب القومية واليسارية وحتى الدينية, مسكونين باليوتوبيا, بحلم الوحدة, وأحلام الاشتراكية, وحينذاك, كانت اليوتوبيا, تتسع للكثير, والأحلام كما درج عليه التاريخ البشري, ملك لأصحابها وحق لهم, ولكن ثمة مسافة ما بين السلطة والحلم, فالحلم هو ما نأمل, والسلطة هي ما تفرض أو ترفض, في علاقة تقوم عل-ى شبكة من إدارة صراع شديد التعقيد, يخضغ بدوره لعملية حسابية شديدة التعقيد بدورها, الأمر الذي قاد إلى مخاضات عديدة شهدتها بلادنا, أبرز تجلياتها من الوجهة الإيجابية, هو أن تحولت سورية عبرها إلى لاعب إقليمي ودولي, فارتفعت أسوارها, وثانيها, وقد يكون مرتبطا بالأول, هو أن السلطة التي رفعت أسوار الدولة عاليا , خلقت وراء الأسوار صيغة ملتبسة للدولة, فصارت الدولة هي الحكومة وغابت المسافة ما بين المجتمع والسلطة, ليدمج الأول بالثانية, ليتحكم به, وعبر ضرورات لم تعد ضرورية, وإن كان ثمة من يرغب في تحويل الضرورات إلى فضائل, مع أن الضرورة نسبية والفضيلة مطلقة, ولا (واقع مطلق) ما دام يتبدل ويتطور ويتغير, وما دامت آلة الحياة تفرض آليات أخرى, وهو ما ستواجهه بلادنا الآن مع من يقدس الساكن ويلعن المتحرك, ما يستدعي مراجعة أمسنا, والتوقف عند ما في هذا الأمس من ملامح تعيق تطور اللحظة.

- في الأمس, وتحت أسماء مختلفة من مشتقات حماية الأمن الوطني, حميت الحكومات المتعاقبة من المعارضة, والمحاسبة, ولم تحم الدولة من فاسديها, مع أن المعارضة, كان يمكن أن تعارض على قاعدة المشاركة لا التآمر على السلطة, فالتآمر هو كل ما يعيق النمو الاقتصادي, والبحبوحة الاجتماعية, وفرص العيش المشترك, وإطلاق القوى والمهارات الوطنية المنتجة, وكل ما يحول دون حوار الشركاء في وطن, المفروض أن يكون للجميع, كي يشترك الجميع في الدفاع عن حدوده الوطنية, فالملغى فوق تراب وطنه, لا يطالب بالدفاع عن تراب هو ملغى فوقه.

- وتحت اسم: ؛تأكيد الثوابت الوطنية«, ومشتقاته من نوع: ؛التعبئة الشعبية للمعركة«, أوصد الإعلام أبوابه أمام الرأي الآخر, فزحفت جحافل البيرقراط على إعلامنا, ما أدى إلى هجرة الكاتب والمفكر والشاعر والصحفي, لإحياء صحافة الخارج, فبات إعلامنا إعلاما يستهلكه من ينتجه, ليتحول منتجه إلى مستهلك من بين مستهلكين يذهبون لاستهلاك غيره, لأنه من الصعوبة بمكان ابتلاع ما لا يبلع, خاصة ما بعد انطلاق الثورة الإعلامية, والجزر الإعلامية في الجزر العربية التي كانت حتى الأمس مجرد مراع لإبلنا, والثورة الإعلامية التي ساوت ما بين مستهلكي إنتاجها لم تساو ما بين اثنين: الأول منهما (ونعني إعلامنا) خارج العصر, يدار بالقرارات الإدارية والأوامر وتخوين العاملين فيه حتى ثبات عكسه, وبين إعلام يصيغ الزمن, ويدار كما فريق كرة القدم, الكل لاعب بمهارته, وخلاصة المرمى للفريق كله, فتعطلت وظيفة إعلامنا, ولم يعد تلبية لضرورات الحكومة, كما لم يعد تلبية لاحتياجات ناس الدولة, فباتت مؤسساته كاسدة, نفقاتها أعلى من مردوداتها, حت-ى اضطر وزير إعلام سابق إلى استثمار صحافة الخارج (لتسريب) السياسات الرسمية السورية, في حين نلحظ مؤخرا أن شخصيات سورية على صلة بالقرار السياسي, وهي تكتب عن تحولات الموقف السوري في صحافة الخارج أيضا , فإذا لم يكن الإعلام مصدقا من قبل منتجيه ومالكيه, فكيف حال مستهلكه ?

- وفي الاقتصاد, ترهل قطاع الدولة حتى أوشك أن يتفكك, مع أنه ما زال القطاع الذي يتسع لأوسع قاعدة اجتماعية من الخبراء والعاملين. وقد تحولوا إلى مجرد قابضي أجور ورواتب, لا لأنهم كذلك بل لأنهم معطلين قسرا , وليس لأنه (ونعني قطاع الدولة) خاسر بماهيته, بل لأنه مخسر بإدارته وبفعل وحدات القياس التي جعلت هذه الإدارات إدارات, ومفادها:

- المطلوب من الإدارة الاقتصادية الولاء السياسي.

مع أن الاقتصاد هو حسابات تكلفة ومردود وجدوى, وما ينطبق على (التعبئة العقائدية), لا ينطبق على تحريك الموارد, والنتيجة:

- اقتصاد خاسر لا يربح سياسة حتى ولو كانت سياسة رابحة بجوهرها.

حين ذهبت سورية, وخلال السنتين الفائتتين حصرا نحو سياسة تحديث خطابها السياسي, والسعي نحو إخراج البلاد من صيغ الماضي نحو ضرورات المستقبل, استنفرت جيوش البيرقراط, بما فيه بيرقراط أحزاب الجبهة, حتى كادت سيدة, هي الأمين العام للحزب الشيوعي السوري (وهي مثال قابل للتعميم على بقية الأحزاب الرسمية), كادت أن تخو ن جميع الأصوات التي تدعو إلى الخروج من ستاتيك الحياة السياسية, وترشق الداعين إلى التحديث بمجموعة تهم, مذكرة في اجتماع للجبهة الوطنية التقدمية, بالمعارضة الرومانية التي انقض ت على الرئيس الراحل نيكولاي شاوشيسكو, ولا أحد يلوم السيدة أو سواها من قادة الأحزاب المتشابهين معها, والذين قد لا تتناسب كثرة عددهم مع حجم شأنهم, ذلك أن إحداث تبدلات في الحياة السياسية للبلاد يعني حكما فتح البوابة لمنافسة (قد) تقود إلى اصطفاء وتنح, غير أن ما ليس صحيحا هو المثال الذي أوردته السيدة, فالذين انقضوا على شاوشيسكو, كانوا من السدنة, ومن الملتصقين بالنظام السابق نفسه, وهو المثال الذي لا يمكن وضعه فوق المائدة السورية, فالدعوة إلى التحديث والتطوير, جاءت فعليا من رأس الدولة, والذين يدعون إليه لم يجانبوا هذه الدعوة, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:

- من هو الحليف الفعلي, ومن بوسعه أن يكون حليفا ذا جدوى:

النبتة التي تنمو في ظل نبتة لتعيق نمو النبتة الأم, أم النبتة التي تنمو في مناخها?

الحليف القوي, الذي سيكون على صلة بتطور هذا الكون? أم الحليف الراكد, والذي بات عمره ثلاثة أرباع القرن دون أن يستطيع تصدير صحيفة أو بناء مؤسسة اقتصادية رابحة?

وما سبق مثال, والمثال المتكرر يغدو ظاهرة لا مصادفة, وهو مثال يطول الحياة السياسية في بلادنا, وهي حياة سياسية راكدة كي لا نقول معطلة, وفي المقابل, هناك احتمالات ومؤشرات لتتقدم سورية نحو خيارات جديدة, تتطلب فيما تتطلب قوى سياسية جديدة, وتعبيرات جديدة, هي الإفراز الطبيعي لواقع جديد, ولحركة مصالح جديدة, وهو ما لابد من حدوثه على الأقل بعد التغيرات التي وقعت على توجهات الاقتصاد السوري المستقبلي, وعنوانها:

- السماح للمصارف الخاصة بالعمل

السماح للمصارف الخاصة بالعمل, يعني متوالية هندسية من المتغيرات الاقتصاية.. متغيرات ستملي حكما متغيرات في النظام السياسي للبلاد, وفي الحياة الاجتماعية والسياسية كمحصلة, فكيف يمكن أن تحدث متغيرات في النظام السياسي دون أن تحدث تغييرات مواكبة ومتزامنة في حوامله السياسية?

- إحداث مصارف خاصة يعني توجها رأسماليا , ما يعني حكما إطلاق البنى السياسية الموازية لاقتصاد السوق, من مثل:

- الترخيص لأحزاب جديدة بالعمل, فليس من الوارد أن يكون لسان حال قوى السوق أحزابا من (البروليتاريا الثورية).

- إطلاق المؤسسات الإعلامية الخاصة (فليس من الوارد أن يكون إعلام البيرقراط الحكومي), لسان حال حركة السوق.

- إعادة النظر بجوهر الحياة البرلمانية, بما يعني رفع غطاء السلطة عن الأحزاب وإطلاق المنافسة على المقاعد البرلمانية ليكون الناخب ناخبا , والنائب نائبا , والبرنامج الانتخابي والصندوق الانتخابي هما العقد والحكم بينهما.

- تغيير حزمة من القوانين المرتبطة بمرحلة ما قبل مقدمات اقتصاد السوق, من مثل قانون مناهضة النظام الاشتراكي, لكون التحول قد جرى على اشتراكية الاقتصاد وجملة من العناوين, تحتمها طبيعة التحولات الجارية, في معظمها متعلقة بالحياة السياسية التي تملي شرطها على من دونها, وعلى الأحزاب والإعلام بشكل أخص وألصق, ليطول التغيير علاقة السلطة بالمجتمع, فيحل العقد مكان الإدماج بينهما, وكل ما (يجب) وما (ينبغي), هو يجب وينبغي كي تنسجم الأمور مع نفسها, وكي لا نبقى أسرى الثنائيات المتناقضة, كأن يأخذ اقتصاد الدولة معطف البيرقراط الممزق, بمحاولة احتواء اقتصاد بطبيعته متجددا , وكي لا تبق-ى الحياة السياسية في اتجاه, بينما الحياة الاقتصادية تأخذ اتجاها آخر, فالطبيعي أن تفرز الحياة الاقتصادية الجديدة تمثيلها, وها نحن نشهد فوق شاشاتنا الوطنية, ندوات تتصل بالتوجه نحو اقتصاد السوق يديرها بيرقراطيو قطاع الدولة, لتبدو اللوحة شديدة التناقض, كما لتبدو هذه الثنائية, قاصرة عن الإقناع, وهي لوحة شديدة الاحتفالية, يتبناها إعلامنا, باعتبارها جزءا من احتفالياته المعتادة, دون النظر إلى أن مواكبة أحداث اقتصادية على هذا القدر من الأهمية, تتطلب, تأملا , واستنفارا لجميع الأسئلة, باعتبار ما يحدث سيحدد الكثير من ملامح ما بعده, فإذا ما كانت البلاد تتجه نحو اقتصاد السوق, فالسوق زبون أولا, فمن هو زبون إعلامنا سواء في الأيام (اليومية), أم في أيام التحولات الجدية, تحولات تعني ما (قبل) غير ما (بعد)?

مؤكد أن تغيير حوامل نظام سياسي, سيصطدم بالكثير من المعيقات, وبسلسلة من الممانعات, فالنابت من الصيغة القديمة, لا شك بأنه سيتضرر من أية تحولات تشهدها الدولة, ذلك أن أبسط مدير مؤسسة حكومية, يدير ملايين الليرات السورية, بالإضافة إلى قوافل من جيوش العاملين المحكومين لقراره, بالإضافة لجحافل المكاسب الشخصية التي تقدم له بغض النظر عن عائده على المشروع الحكومي, ( هذا إذا لم يكن مجمل مردوده هو إعاقة الآخر على أن يكون ذا مردود فعلي), فمفاصل البيرقراط المتكلسة, ستكون شديدة الحذر والحيطة من أية تحولات ستشهدها البلاد في ظل إدارات بات عجزها واضحا عن تجديد نفسها بدءا من إدارات المؤسسات الخدمية, وصولا لإدارات المؤسسات الإعلامية والسياسية, وهي إدارات اطمأنت على مواقعها ومكاسبها, فتحولت إلى أندية للعجزة, وثمة من يعتقد أن الطائر الأكثر طيرانا , هو الطائر الأقل اطمئنانا , ولولا الاطمئنان الواهم الذي عاشه الدجاج, لبقي طائرا دون أن يتحول إلى قفص في مدجنة, ما يؤكد أن بوابة التنافس, ستكون البوابة التي تطلق الجميع:

- البطيء ليسرع في خطوته

والسريع, ليمنح البلاد فرصة في أن تسير نحو الحوار المتكافئ مع عالم تشكل على نحو جعله قرية واحدة, الفارق شديد الفوارق ما بين أزقتها, وجميع الإصلاحات تأتي من نافذة الإصلاح السياسي:

للإصلاح السياسي الأولوية: أولا , وأولا وأولا .

والخطوة التي بدت واسعة في الاقتصاد, ووفق الحس, والحدس, والملاحظة لاقت تقبلا شعبيا واسعا , والطبيعي أن تكون هذه الخطوة هي الخطوة الرافعة للخطوة التي ستعقبها, على الأقل كي لا نبقى نتأرجح في الثنائيات المتناقضة.

ما تبقى سيأتي وفق مبدأ الأواني المستطرقة, وانطلاق أية قاطرة, تحددها قوة الدفعة الأولى, وهذا قانون فيزيائي يحدد قوة السرعة اللاحقة.

- لا أحد يدعو إلى حلول انفجارية, غير أن الركود كان ممكنا حين كانت المتحولات تندرج في حدود المتواليات الحسابية.

- ثمة ما تغير, وما تغير هو استحضار المتواليات الهندسية, وللمتواليات الهندسية حسابات أخرى.

- حسابات يقرؤها سيد لا أحد يشك في أنه يهمه أمرنا.

- أمرنا باعتبارنا مواطني دولة أضاءت الكثير من شموعها له.. وأضاء الكثير لها.

~ by Badry Darkoush on September 5, 2009.

Leave a Reply